الشيخ حسن المصطفوي
91
التحقيق في كلمات القرآن الكريم
فإذا أريد منها مجرّد الربط في حالة القرب من غيره من دون نظر إلى خصوصيّة المعنى والمفهوم مستقلا وفي نفسه ، كما في أغلب الأفعال الناقصة ، فيكون الثاني حينئذ حالا ، أو شبه مفعول أو منصوبا بنزع الخافض أو مرفوعا على البدليّة من الأوّل . فيقال إنّ هذه الأفعال ناقصة أو للتقارب ، وليست بتامّة يلاحظ فيها المعنى الاستقلالىّ للفعل ، حتى تكون تامّة ملحوظة بنفسها . فكما أن الفعل التامّ يرفع وينصب على مقتضى العامل والمعمول فكذلك الفعل غير التامّ بحسب اقتضاء المقام يرفع وينصب أىّ نوع من أنواع المعمولات . فلا يجوز لنا حصر عملها في كيفيّة خاصّة محدودة في مختلف الموارد . فقوله تعالى - . * ( وَطَفِقا يَخْصِفانِ ) * : انّما ذكر لتأكيد الربط وفي مقام الاشعار إلى الشروع في الخصف ، فهو من أفعال المقاربة ، وجملة يخصفان ، حاليّة ، أي خاصفين عليهما من الورق ، أو على الخبريّة وهو التشبّه بالمفعول به ، كما هو رأى الأكثر . وأمّا قوله تعالى - . * ( فَطَفِقَ مَسْحاً ) * : فالفعل تامّ وليس للربط ، وهو بمعنى الشروع والظفر ، ويدلّ على حدث وحركة مستقلَّة ملحوظة في نفسها ، وكلمة مسحا مفعول به ، أي فشرع وعمل أن يمسح مسحا . وأمّا في قوله تعالى - . * ( عَسَى ا للهُ أَنْ يَعْفُوَ ) * : فمقتضى المفهوم أن يكون بدلا للاشتمال ، كما يقول به الكوفيون ، فيكون الخبر في مقام الرفع أيضا . 3 - فلازم أن نتوجّه إلى أنّ تشخيص الاعراب انّما هو بتشخيص الاقتضاء في المفهوم ، من الفاعليّة والمفعوليّة والإضافة وما يلحقها ولا يجوز أن نجعل الميزان الكلىّ هو اللفظ ، كما أنّ الفاعل أو المفعول في قولنا - ضرب موسى عيسى : انّما يتعيّن بتشخيص المفهوم ، ثمّ باقتضائه يتعيّن الاعراب ظاهرا أو تقديرا . 4 - وقد يشتبه الأمر في تشخيص الخصوصيّة للمفهوم ، ويتوقّف على تعيين إرادة المتكلَّم ، بقرائن مقاليّة أو حاليّة ، كما في قوله تعالى - . * ( وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ ) * : فيحتمل المصدريّة معنا إزلافا غير بعيد ، أو الظرفيّة - زمنا غير بعيد ، أو الحاليّة - في حالة كون غير بعيد . فلا بدّ من الدقّة والتحقيق في الكشف عن المراد .